الاثنين، 17 يناير 2011

شىءٌ من الخيال لن يفسدَ العالم


فى مقالى السابق، قلتُ إننى طوال الوقت أتخيّلُ نفسى مكان المسيحيين، فأحزن لأحزانهم، وأكتب. وهو ما أغضبَ بعضَ القراء مني، لدرجة أن أحدهم أرسل يقول لى: «توبى إلى الله!» كأنما وظيفة المسلم قهرُ المسيحى! ورغم كراهتى الكلمات التمييزية: مسيحى، مسلم، إلا أننى سأنزل على رغبتهم وأوجّه مقالى هذا للمسلمين فقط. المسيحيون يمتنعون. وهو على أية حال مقالٌ خيالىّ، طالما الخيالُ لا يُعاقِب عليه القانونُ (حتى الآن). تخيّلْ معى أن المعلّمَ سأل ابنك المسلم: «رايح فين؟« فأجاب: «حصة الدين يا أستاذ»، فيضحك المعلّم ويقول: «هو انتوا عندكو دين!» تخيل أن «يَشْرَق» ولدٌ فى الفصل، فيهرع إليه ابنك الطيبُ لينجده، فيصرخ فيه الشرقان: «لأ، ماما قالت لى مشربش من زمزمية مسلم، عشان همّا (...)« تخيّلْ أن تتصفّح منهج ابنك فتجده مشحونًا بآيات من الإنجيل، ولا وجود لآية قرآنية واحدة. تخيلْ أنك ضللتَ الطريق، وسألتَ أحدَ السابلة، فأجابك: «سيادتك ادخل شمال، حتلاقى (لا مؤاخذة) جامع، ادخل بعده يمين».

تخيلْ أن تكون نائمًا حاضنًا طفلتك، وفجأة تنتفض الصغيرةُ فى الفجر، لأن صوتًا خشنًا صرخ فى ميكروفون الكنيسة (والكنائس الكثيرة فى الحى): «خبزنا كفافَنا أعطنا اليوم. واغفرْ لنا ذنوبنا كما نغفرُ نحن أيضًا للمذنبين إلينا. ولا تُدخلنا فى تجربة. لكن نجِّنا من الشرير. لأن لك الملكَ والقوة والمجد إلى الأبد». فتسألك صغيرتُك ببراءة، وقد فارقها النوم: «بابا، ليه مش بيقولوا الكلام الجميل ده بصوت هادى، ليه بيصرخوا فى الميكروفون كده؟!» فتحارُ كيف تردُّ عليها، و قد علّمتَها بالأمس أن مناجاةَ الله لا تكون إلا همسًا، لأن الله يقرأ قلوبَنا، وإن صمتتْ ألسنتُنا، وأن الدعوةَ للصلاة، التى هى صِلة بالله «عيب» أن تكون بصوت مُنفِّر. لهذا اختار الرسولُ للأذان «بلالَ بن رباح» لصوته العذب. تخيلْ أن تحضر قدّاسًا فى كنيسة مع صديق لك، فتسمع الكاهنَ يقول: لا تصافح مسلمًا، فهو مُشرك، ولا تأكل عنده طعامًا، ولا تدع أطفالك يلعبون مع أطفاله». ماذا تفعل لو قُدِّر لك أن تعيش فى مجتمع كهذا؟

أعلم أنك تقول الآن: ما هذا التهريج؟ سؤالٌ لا إجابة عليه، لأنه جنون فى جنون. وأتفقُ معك فى رأيك، وأقرُّ بعبثية طرحى. ألم أقل منذ البدء إنه ضربٌ من الخيال؟ المسيحيون لا يفعلون ما سبق. نحن مَن نقول: مسيحى «بس» طيب، لا مؤاخذة كنيسة، عضمة زرقا، أربعة ريشة، مشركين، كفار...! إما مزاحًا عن دون قصد. أو عن قصد، متكئين على أكثريتنا مقابل أقليتهم! مطمئنين إلى مبدأ أساسى فى دينهم يقول: «أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم.

وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم». أحببتُ اليومَ أن أضع تلك المواقف الشوهاء أمام عيوننا ليختبر كلٌّ منّا وقعها على نفسه لو حدثت معه. نحن الذين نصرخ فى الميكروفون «الله أكبر»، غير مراعين أن الله نفسَه يحبُّ أن يُنطق اسمه بهدوء لا بصراخ أجشّ. ونحن الذين يقول بعضُ مشايخنا فى خطبهم كلامًا مسيئًا لغير المسلمين، يملأ قلوب ضعاف العقل والإيمان بالحنق عليهم. بينما هم يقولون فى قداسهم: «نصلى لإخواننا أبناء مصرَ من غير المسيحيين»،

فهل تسمحون لى بأن أغار منهم؟ لأن كثيرًا منّا أخفق فى درس المحبة التى أتقنها معظمهم؟ لنكن أذكى من حكوماتنا، ونحن بالفعل أذكى، فإن كانت الحكومةُ تظلمنا جميعًا «معًا»، ثم تغازل الأكثريةَ بظلم الأقليّةِ، فهل نفعلُ مثلها؟ لكن مهلاً، منذ متى بدأنا نفعل هذا؟ منذ عقود قليلة، وهى فى عُرف التاريخ لمحةٌ خاطفة. حتى السبعينيات الماضية، قبل سموم الصحراء، كان سكانُ العمارة الواحدة بيوتهم مفتوحةٌ على بيوت بعضهم البعض، مسيحيين ومسلمين، فيذوب أطفالُ هؤلاء فى أطفالِ أولئك، وتشعُّ المحبةُ فى أركان الحىّ، فتبتسم السماءُ قائلة: هنا بشرٌ تعلّموا كيف يحبون الله.



المصدر المصرى اليوم

هناك 10 تعليقات:

amiralcafe يقول...

ورغم كراهتى الكلمات التمييزية: مسيحى، مسلم
المسيحيون يمتنعون..........................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................ahah

Boneta يقول...

فاطمه انسانه رائعه وعندها دم غير ناس كتير انعدم من عندهم الضمير والانسانيه .تحيه تقدير للاستاذه فاطمه ولشجاعتها اللي عودتنا عليها وربنا يحميها ويكتر من امثالها في مصر ويارب الناس تفوق وتفهم اننا كلنا مصرين مفيش اي داعي نكره بعض لانه مش في مصلحتنا كلنا اننا نتفرق .
شكرا فينوس علي المقال
تحياتي لك وللجميع

Ramy يقول...

هى بتتكلم بمنطق برضه

و علشان محدش يفتكر ان احنا ملايكة برضه

أكيد فينا سيئيين

طب و هل لو كُنا أحنا الأغلبية كان هيكون ايه الوضع

و برضه اى حاجة بتحصل من حد مسيحى دى بتكون رد فعل و ليس فعل اساسى

و برضه مش علشان أحنا ملايكة

مش عارف بقى فهمنى و لا لأ

Ms Venus يقول...

هى عكست الوضع يا استاذ رؤوف


وهو ده الانسان اللى عنده ضمير صاحى


دايما بيحط نفسه مكان غيره علشان يحس بيهم


اهلا بيك دايما

Ms Venus يقول...

معاكى حق يا بونى

هى انسانة جميلة اوى

ربنا يحميها ويحافظ عليها


نورتينى يا بونى

Ms Venus يقول...

انا فهماك يا رامى

ومحدش قال ان احنا ملايكة


بس الاستاذة فاطمة بتتكلم فى امور حقيقى بتحصل للاسف فى المجتمع

وكلنا او اغلبنا مر بيها


هى بتحاول توصل لضمير الانسان

وتقوله اتعامل بضميرك وحط نفسك مكان غيرك

علشان تحس بيه


اهلا بيك يا رامى دايما نورتنى

carmen يقول...

مقال قمة في القوة والروعة حبيبتي تسلم ايدك ع النقل

فاروق بن النيل يقول...

Ms Venus
أعجبتنى المقالة جدا وهى كلها كلمات حق
وعلى فكرة بالدين الإسلامى وبالتحديد القرآن الكريم آية تؤكد بعض ماقيل فى المقال وجميع المسلمون والمشايخ بالذات المتعصبون يعلمون هذه الآية وأنا مسلم على فكرة وأقولها:
قال الله سبحانه : سورة المائدة الآية 5 الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ الآية .
(الجزء رقم : 23، الصفحة رقم: 8)
ثانيا: لما قابل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وفد من نصارى نجران بمسجد النبى بالمدينه المنورة ليناقشوه بالدين الإسلامى حان وقت صلاتهم
فإستأذنوا النبى محمد بأن يقوموا بصلاتهم فسمح لهم بالصلاة فى ركن من المسجد
وبرغم ذلك تركهم أيضا وعادوا دون أن يسلموا وأكرمهم فهل نحن نفعل أشياء تخالف تعاليم ديننا بالقرآن والسنة
نعم للأسف فالعنصرية لم تكن أبدا مبدا النبى محمد بسنته ولا بالقرآن الكريم
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من آذى زميا فقد آذانى ومن آذانى فليتبوأ مقعده من النار"
لن أطيل عليكى فينوس كان والدى شيخا
أزهريا ومدرسا للغة العربية والدين وكان يجلس مع القسيس عزيز بالكنيسة بمدينتى وكان صديقه الأستاذ جرجس مدرس الرياضيات جارنا ندخل بيته ونحن صغار ونلعب مع أولاده وكانوا يفعلون ذلك أيضا ببيتنا حتى إن الأستاذ جرجس قال لى مرة وأنا صغير : تعرف ياواد يافاروق إنت عاجبنى وعاجبنى كسوفك والله نفسى أجوزك مارى ( إبنته )
أرأيتى تسامحا وحبا وجيرة أكثر من هذا بين شيخ أزهرى مسلما يحفظ القرآن ومدرسا للغة العربية والدين وبين مدرسا زميله وصديقه المسيحى أستاذ/ جرجس أفندى ( كما كنا نسميه) نحن الصغار .
لن أطيل عليكى وأقول الدين فى القلب وليس فى المظهر والأقوال ولذا لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التقوى فأشار إلى صدره ناحية القلب وقال : التقوى هاهنا (كررها ثلاثا)
شكرا لكى فينوس .
الدين لله والوطن للجميع واللى موش عاجبه يهاجر من البلد دى

Ms Venus يقول...

كارمن حبيبتى

ميرسى لوجودك دايما هنا

Ms Venus يقول...

استاذ فاروق

متفقة تماما مع رايك


اقبل احترامى وتقديرى